الشيخ باقر شريف القرشي

91

حياة الإمام زين العابدين ( ع )

الزهد في الدنيا : وظاهرة أخرى من نزعات الإمام النفسية ، وهي الزهد في الدنيا ، وعدم الاعتناء بأي مبهج من مباهجها ، لقد اعتصم الإمام بالزهد ، والاعراض الكامل عن الدنيا ، فلم تفتنه ولم تخدعه ، فقد عرف واقعها وحقيقتها ، وعلم أن الإنسان مهما تقلب في الطيبات والمناعم لا بد أن يتحول عن هذه الحياة ، ولا يجد بين يديه إلا ما عمل من خير ، وقد شاع في عصره أنه من أزهد الناس ، وقد سئل الزهري عن أزهد الناس فقال : علي بن الحسين « 1 » وقد رأى عليه السلام سائلا يبكي فتأثر منه ، وراح يقول : « لو أنّ الدنيا كانت في كف هذا ثم سقطت منه لما كان ينبغي له أن يبكى عليها » « 2 » إن زهد الإمام لم يكن استكانة للفقر أو استسلاما للعجز أو قناعة بغير عمل ، وإنما كان قائما على التقوى ، والورع عن محارم اللّه ، والاحتياط الشديد في أمور الدين ، شأنه في ذلك شأن جده وأبيه اللذين طلقا الدنيا ، ولم يحفلا بأي شأن من شؤونها سوى ما يتصل بالحق وتأييد الفضيلة . مع الصوفية : ونظرا لزهد الإمام عليه السلام ، وإعراضه الكامل عن الدنيا فقد عده الصوفيون من أعلامهم ، وترجموا له ترجمة وافية « 3 » وجعله الكلاباذي ممن نطق بعلومهم ونشر مقاماتهم ، ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة « 4 » وهذا الرأي - فيما اعتقد - ليس موضوعيا ، وإنما هو سطحي للغاية فإن منهج الصوفيين رفض الحياة الدنيا رفضا كاملا ، والعيش في ظلمات الكهوف ، ولبس أخشن الثياب ، وأكل الجشب من الطعام ، وغير ذلك من الأمور التي

--> ( 1 ) البحار 46 / 62 . ( 2 ) الفصول المهمة ( ص 192 ) . ( 3 ) جمهرة الأولياء 2 / 71 حلية الأولياء 3 / 133 . ( 4 ) التعرف ( ص 11 ) .